ابن باديس مصحح المنظومة “الرحمانية”
كتبهاALDJIA-AICHE علجية عيش ، في 7 سبتمبر 2010 الساعة: 09:51 ص
المستشرق إدوارد دونوقو: الطريقة "الرحمانية" هي طريقة وطنية جزائرية خالصة
ظهور التصوف في قسنطينة
يعتبر التصوف تجربة روحية ذاتية ، و اتجاه فكري يبحث في الإعراض عن الدنيا و ربط العلاقة بين الإنسان و ربه و ترك زينتها و ملذاتها و الزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة و جاه أي التفرغ للخلوة و العبادة الخلوة للعبادة ، و يطلق على التصوف علم الباطن، أو علم الحقيقة، مع الإلمام بعلم الظاهر و هو علم الشريعة الإسلامية ، يقول المختصون في الفكر الصوفي و منهم الدكتور عبد العزيز فيلالي أن التصوف لا يقتصر تدريسه على سالكي الطريقة أو على المريدين فحسب، بل هو علم يدرس كالعلوم الأخرى، و لذلك لا يوجد خلافا كبيرا يقول الدكتور عبد العزيز فيلالي بين الفقهاء أصحاب علم الظاهر و بين المتصوفة أصحاب علم الباطن ، و قد أخذ التصوف ينتشر في الأوساط الشعبية ممتلكا أرواحهم و وجدانهم مسيطرا على أفكارهم و عقولهم حتى عند السلاطين و الملوك، و لهذا عرفت ولاية قسنطينة انتشار كبير للزوايا( الطيبية، العيساوية، الحنصالية، التيجانية، القادرية، والزاوية الرحمانية التي توزعت عبر بلديات الولاية ( قسنطينة، عين اسمارة، زيغود يوسف، قطار العيش، و بلدية حامة بوزيان و غيرها..)
وتعتبر الطريقة الرحمانية جزائرية الأصل كون صاحبها ولد و ترعرع في أحضان بلاد القبائل ( جرجرة) أخذها الشيخ محمد مصطفى بن عبد الرحمن عن الشيخ الحفناوي من الأزهر و استقر مع أسرته بعد عودته من الأزهر بجبال جرجرة، قبل وفاته ترك وصية بترك المشيخة و الخلافة للشيخ محمد بن عيسى الذي كان في خدمته و لم يبرحه طيلة حياته، و كان يقوم بتنظيف إسطبله، توفي بقجالة ببلاد القبائل و دفن فيها، و لما سمع أتباعه بموته و دفنه بعيدا عنهم ، لجأوا إلى حيلة لتهريبه و بالفعل تم تحويل رفاته إلى الجزائر العاصمة، و عند مطلع الصبح تفاجأت القبائل بأنه تم تدنيس مقام الولي الصالح و أن بقاياه قد اختلست، لتتحقق المعجزة ألإلهية حتى لا تقع حرب بين القبائل و أبناء العاصمة توجه الجميع إلى ضريح المرابط، و رُفِعَ بقايا التراب ليعثروا على الجثة ما تزال سليمة، و لكما وصل الخبر مصطفى باشا قام فورا ببناء مسجد بمنطقة الحامة قرب القبة بالمكان الذي دفن فيه بن عبد الرحمن، تقول الكتابات أن جثة بن عبد الرحمن انشطرت إلى اثنين بإرادة و قدرة من الله و هي معجزة إلهية أرادها الله تفاديا للفتنة التي يمكن أنها تثار بين الإخوة، و أصبح المرابط يلقب ببوقرين، لما توفي سيدي بن عبد الرحمن حدث خلاف حاد لتعيين الحاج بشير خليفة له على رأس الطريقة ببلاد القبائل كونه مغربي الأصل، و تطلب ألأمر تدخل الحاج عبد القادر الذي عقد العزم على الذهاب إلى بلاد جرجرة و فك النزاع و الانشقاق، و لما رأى أغلب القبائل في المعارضة أخذه الشيخ عبد القادر معه.
وكان إخوان بن عبد الرحمن أكثر تعصبا للاحتلال الفرنسي و أكبر الرافضين له باعتراف من المستشرق إدوارد دونوقو في كتابه الإخوان ترجمة و تحقيق الدكتور كمال فيلالي ، و الذي قال في الصفحة 72 أن الطريقة الرحمانية هي حقيقة الطريقة الوطنية الجزائرية الخالصة، و استطاعت طريقة بن عبد الرحمن أن توحد العرب و البربر تحت راية دينية واحدة بعدما فرقتهما السياسة..
ضريح سيدي عبد الرحمن باشتارزي تلميذ
الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمن تحفة فنية لا مثيل لها
هو الصوفي الكبير و المربي الشهير الشيخ عبد الرحمان بن أحمد بن حمودة بن مامش باشتارزي الجزائري ، تلميذ الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمن ناشر الطريقة الرحمانية بقسنطينة و مؤسس الزاوية الرحمانية بها نشأ سيدي عبد الرحمان باشتارزي في الجزائر العاصمة و أخذ العلم عن شيوخها، لازم سيدي عبد الرحمن باشتارزي الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمان الأزهري ، و تتلمذ على يده ، و أخذ طريق التصوف عنه ، كما سلك المقامات السبعة المعروفة في الطريقة الخلوتية النقشبندية العلية المعروفة في القطر الجزائري بالرحمانية..
و لما صار الشيخ من أكابر العلماء و الفقهاء في عصره ، و برع في علم المنقول و المعقول و كان رحمه الله فقيها على المذاهب كلها ، أرسله شيخه سيدي محمد بن عبد الرحمان إلى قسنطينة لنشر الدعوة إلى الله و نشر العلم و إرساء أمور الدين المبني على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما توسم فيه الخير و التقوى و الزهد و العفاف، و بقدومه إليها أنشأ زاويته الرحمانية الأولى، وهي الموجودة بإحدى ممرات رحبة الصوف و سمي الممر باسمه ، حيث يعرف الآن بممر باشتارزي..
و تعتبر زاوية الشيخ سيدي عبد الرحمان من أكبر الزوايا من حيث إقبال المريدين عليها من طلبة العلم و حفظة القرآن الكريم ، انتقل سيدي عبد الرحمان إلى زاوية أخرى موجودة إلى حد الآن بحي الشارع في وسط المدينة القديمة و سميت بالزاوية الرحمانية السفلى , و هي قائمة إلى اليوم ، تقام فيها الصلوات الخمس و صلاتا العيدين و صلاة القيام في شهر رمضان الكريم، و مجالس القرآن الكريم و تحفيظه للطلاب وحلقات الذكر، رغم تواجد ضريح شيخها..
كما يحتفل فيها بعيد المولد النبوي الشريف و تلقى فيها أيضا مدائح التصوف و قصائد في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم و السلف الصالح رضي الله عنهم، حيث تحولت إلى قبلة للزوار من كل نواحي القطر الجزائري و أقطار العالم الإسلامي من مريدي الطريقة الرحمانية و الطرق الأخرى و من باحثين و أساتذة و طلبة جامعيين، من أهم آثار الشيخ سيدي عبد الرحمان باشتارزي " المنظومة الرحمانية" التي شرحها ابنه سيدي مصطفى و صححها العلامة الإمام عبد الحميد ابن باديس، الذي قال في إحدى خطبه: " حاربت كل الطرق إلا الطريقة الرحمانية، و رما يعود ذلك إلى كون الطريقة الرحمانية هي الطريقة الوحيدة التي جمعت ووحدت العديد من الطرق ( الخلواتية، الرفاعية، القادرية ، و الطريقة الشاذلية و اليشرطية والنقشبندية والأدريسية) فكانت الطريقة الجامعة في أسانيدها وآدابها وأورادها، و لأن منهاج الطريقة هو التطبيق العملي للشريعة الإسلامية قولاً وعملاً وأخلاقاً ، وذلك بإصلاح ظاهر السالك وباطنه..
يقول الشيخ عبد الرحمن باشتارزي في وصيته : ( عليك بإتباع السّـنة والكتاب، فإنهما الطريق الموصّل إلى الله تعالى، والقيام لحقوق العبوديّة لنصرة الدين وعزّ الإسلام خاصة، عبث،وعليك بالإحسان إلى الخلق بتوقير الكبير والرحمة للصغير، وعليك بكف الأذى وإن أوذيت، وعليك بالصبر فإنه رأس العبادة، وعليك بالرضى عن الله في كلّ شيء ورد عليك منه، وعليك بكف لسانك عمّا لا يعنيك، وعليك بالثـقة بالله على كل حال وفي كل حال، والتوكل على الله والشكر له، وعليك بذكر الموت فإنّه أساس الزهد،وإيّاك والمخاصمة والمماراة وإن كنت محقاً، والبغي وحبُّ الشهرة بالخير والميل إلى المدح،والتزم الأدب مع كلِّ مخْلوقٍ، ولا تيأس من رحمة الله وفرجه وإن ضاقت عليك الأمور إلى آخر الوصية ).

المنظومة الرحمانية دستور الطريق
أما المنظومة الرحمانية فهي تشرح الأسباب الشرعية المتعلقة بالطريقة الخلوتية، ووقف على تصحيحها العلامة الأوحد الشيخ سيدي عبد الحميد بن باديس، الذي كان كثير التردد على الزاوية الرحمانية، و هي عبارة عن وصايا و نصائح عرّف فيها أصول الطريق تقع في أربعين صفحة ، تذكر الإخوان ما عليهم في هذا الطريق الشرعي من الأدب العلمي و العملي و يعلمهم أنهم لا يكفيهم في ترقية نفوسهم مجرد الانتساب الاسمي فيدعوهم ذلك إلى العلم و التعلم اللذين لا سعادة في الدارين بدونهما و لا تقدم، فيفقهوا حينئذ حقيقة الدين و ينتفعوا بنصائح المرشدين و يكونوا من المهتدين.
والزائر إلى الزاوية الرحمانية يقف على الهندسة المعمارية التي بنيت عليه الزاوية و النقوشات الموجودة في الضريح ، تنوعت بين أسماء اله الحسنى و آيات الذكر الحكيم، جاءت روعة في الجمال ، و قد زين الزاوية ذلك المحراب، و كأن النور ينبعث من هذا الإبداع البشري.
أكثر من 120 ألف مجاهد من الإخوان الرحمانيين
يتصدون للاحتلال الفرنسي
ومن الشيوخ الذين ترأسوا الزاوية الرحمانية نذكر كذلك زعيم المقاومة الشعبية الشيخ "الحداد محمد أمزيان، و قد عرف هذا الأخير بنضاله و كفاحه الثوري رفقة الشيخ المقراني وذلك بإكسابها تأييدا شعبيا واسعا ، مكنهما من الصمود أمام الجيوش الفرنسية ، بعد سلسلة من المعارك و ذلك في السنوات ما بين 1870 و 1871 و هي السنة التي أوقف فيها من طرف العساكر الفرنسيين ، و حكم عليه بخمس سنوات سجنا و القي به في سجن الكدية ولاية قسنطينة، في حين نفي نجله إلى فرنسا و بقي في المنفى إلى أن وافته المنية هناك ، و تم تحويله إلى المقبرة المركزية مع والده ببلدية قسنطينة، وقبل أن يموت كتب الشيخ الحداد وصيته بدفنه بمسقط رأسه بلدية "صودق أوفلا" بجاية.
تعلم الشيخ محمد أمزيان في الزاوية التي أسسها والده علي الحداد في صدوق وحفظ القرآن و قواعد اللغة العربية و منها انتقل إلى زاوية الشيخ أعراب في جبال جرجرة التي قضى فيها وقتا طويلا أضاف إلى معارفه العلمية علوما إسلامية أخرى و عند عودته إلى أهله تولى تسيير زاوية أبيه، و قد اختاره أهله أن يكون إماما على قرية صدوق ، و أصبح بعد ذلك خليفة لطريقة محمد بن عبد الرحمن، و كانت للزاوية الرحمانية مساهمة كبيرة وفعالة في دعم مقاومة الشيخ المقراني، و تعبئة السكان للجهاد وهو ما سمح لبعض الأتباع من الإخوان الرحمانيين بالانضمام إلى صفوف الثورة و أصبحوا قوتها الضاربة، و خاضوا عدة معارك انتصروا فيها على جيوش العدو الفرنسي ، فكان لهم (الإخوان الرحمانيين) دور بارز في تحقيق الانتصارات مما أعطى للثورة شموليتها..
و قد وصل عدد المجاهدين من الإخوان الرحمانين أكثر من 120 ألف مجاهد ينتمون إلى 250 قبيلة ، و بهذه القوة التي يعود الفضل فيها إلى الزاوية الرحمانية ، حققت هذه الثورة انتصارات كبيرة أخافت الإدارة الاستعمارية وأصبحت تشكل خطرا على مصالحها و مستوطنيها في المنطقة، علما أن رفاة رئيس الزاوية الرحمانية أعيد إلى مسقط ٍاسه يوم الجمعة 03 جويلية من السنة الماضية ( 2009) بلدية "صدوق أوفلا" بولاية بجاية التي تبعد عنها بحوالي 70 كيلومتر ، بحضور شخصيات وطنية سياسية و شيوخ من مختلف الزوايا و ممثلين عن رئيس الجمهورية عبد العزيز .
استطلاع / علجية عيش
نشر في أسبوعية المثقف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
































































