" ثـورة في ثــورة ".. قراءة في الحياة الدّاخلية لحزب
"جبهة التحرير الوطني" الجزائري- FLN - من الاستقلال إلى المؤتمر التاسع
ربما استوجب الأمر إلى العمل بمقولة الشهيد العربي بن مهيدي الشهيرة : " ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب" و القول: " ألقوا بالجبهة إلى الشارع يحتضنها الشعب " حتى لا تكون مفاتيحها في أيدي ملوثة تتلاعب بالتاريخ و بدماء المليون و النصف مليون من الشهداء، لأن مفهوم المسؤولية المتطرفة و انعدام الثقافة السياسية تساعد على خلق الروح الإقطاعية السياسية أو على بعثها من جديد
تريد بعض الأقلام أن تلغي صبغة الجهاد و الثورية من جبهة التحرير الوطني و تنعتها كمنهج علمي نابع عن النهضة الفكرية ( و لو أن ذلك صحيحا) و تعميمها على أساس أن العلم متاع لكل البشر و لو أنها تعرف بأن الثورة الجزائرية كانت معجزة العصر، ذلك كما جاء في كتاب "ثورة العلم من ابن خلدون إلى ابن باديس" لزهور اسعد و هو عنوان مموه كون الكتاب يعالج أزمة جبهة التحرير الوطني حاولت فيها الكاتبة إيهام القارئ العربي و الجزائري على الخصوص بأن الذين صنعوا عظمة الثورة الجزائرية هم أعلام الفكر و رواد النهضة و تشير في ذلك إلى أن الفضل في استقلال الجزائر يعود إلى حزب نجم شمال أفريقيا الذي نادي بالتحرر الاقتصادي و جمعية العلماء الجزائريين لمحاربة الجهل و ألأمية، و راحت هذه الأقلام تنعت جبهة التحرير و تتهمها بالخيانة و إهانة رسالة الجهاد بعد انقسامها و دخولها المعارضة ، جعلتها تعيش الفراغ إلى أن أصبحت غائبة عن الساحة، و قد مهد غيابها الطريق أمام العملاء المتشبثين بالمدرسة الفرنسية..
لا أحد كانت له الجرأة أن يتكلم عن جبهة التحرير الوطني أو يكتب عنها بسوء يوم كانت واقفة بأبنائها الذين أسسوها، يوم كان يقف إلى جانبها " رجال" عظماء عظم الثورة الجزائرية التي تصدت لأقوى إمبراطورية، و يوم تحولت الجبهة إلى حزب أصبحت "مطية" ، بعضهم ينادي بوضعها في المتحف، و البعض الآخر بسلوكاتهم يقودونها إلى " المزبلة " ( أكرمكم الله) ، و آخرون جعلوا من جبهة التحرير الوطني " سلعة" تباع في المزاد من يدفع أكثر هو القائد و المسؤول حتى لو كان ذا فكر مشلول، بدليل ما نلاحظه اليوم من صراعات و انتهاكات في حق الجبهة و أبنائها المخلصين على مستوى المجالس الحلية و مسلسل التراشق بالكلمات البذيئة وصلت الأمور إلى العدالة.
ربما نتساءل كم عدد الكتابات التي تدافع عن جبهة التحرير الوطني حتى لو لم تمكن في مناصب المسؤولية و كم عدد الأقلام الحاقدة على الجبهة ، و كم عدد المؤلفات التي صدرت حول المسيرة النضالية للجبهة التاريخية و قادتها، فباستثناء الكتاب الذي لاقى شهرة واسعة في سوق الكتاب و أعيدت طبعته لما يحتويه من حقائق للدكتور محمد الطاهر الزبيري بعنوان " المؤامرة الكبرى أو إجهاض ثورة" و الذي يعتبر مرجعا لمن أراد التزود أكثر عن حر ب التحرير و جبهة التحرير الجزائرية، توجد الكثير من الكتابات حول الظاهرة " الحزبية في الجزائر" و إن اختلفت في أسلوبها ركز أصحابها عن "جبهة التحرير الوطني" لتحليل الحياة الداخلية داخل الجبهة ليس من خلال نصوصها فقط باستثناء بيان أول نوفمبر 54، هذه النصوص ( أرضي الصومام، القانون الأساسي للجبهة، مؤسسات الدولة، برنامج طرابلس) تمت المصادقة عنها بدون مناقشة كنا أنها لم تطبق و لم تخضع للقراءة م طر ف إطارات الجبهة مثلما جاء في مقدمة الدكتور صالح بلحاج في كتابه " أزمات جبهة التحرير الوطني و صراع السلطة" الذي كشف فيه أن الاجتماعات كانت تتم في الكواليس و في اجتماعات غير رسمية ، حيث تجلت الحياة الداخلية لجبهة التحرير الوطني الجزائرية من خلال هذا المؤلف في صورة سلسلة من النزاعات و الصراعات بين السلطة و الزعامة ..
لم تكن هذه الصراعات حديثة العهد، بل لها جذور تعود إلى منتصف الخمسينيات عندما قام الصراع حول من يكون زعيم الثورة، و يعني ذلك الصراع الذي كان قائما بين عبان رمضان في الداخل و أحمد بن بلة في الخارج ( القاهرة) انتهى باغتيال عبان رمضان و إزاحة "عبد الحميد مهري"، ثم الصراع بين الحكومة المؤقتة و هيئة الأركان العامة و انتهى بتجميد الحكومة المؤقتة في 1959، تلتها صراع "الباءات" الثلاث ( كريم بلقاسم ، بن طوبال و حفيظ بوصوف) و تراجع دور الثلاثي في الدورة الثالثة للمجلس الوطني التي دامت 33 يوما تميزت بالمزايدة الكلامية و الاتهامات المتبادلة و صور السب و الشتم و هي أساليب غير خليقة بثورة خلفت مليون و نصف مليون من الشهداء..
تطورت " الأزمة" عندما انتخب أحمد بن بلة رئيسا للجمهورية في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 15 سبتمبر 1963 و استولى على كامل السلطات بعد تجميد الدستور ، انتهت الأمور بظهور مسلسل الاستقالات بدءًا من وزير الداخلية آنذاك أحمد مدغري، و استقالة خيضر و إرغام رابح بيطاط على الاستقالة، كذلك إقصاء فرحات عباس من الحزب ووضعه محل الإقامة الجبرية و تنفيذ حكم ألإعدام في العقيد شعباني و تنحية بوتفليقة من منصب وزير الخارجية، كمما حاول بن بلة ضرب مواقع الرئيس "هواري بومدين" و جماعته ، إلا أن مساعيه فشلت و دفعت به هذه الأحداث إلى " السقوط" ..
لقد باعدت الصراعات من أجل السلطة بين الأشقاء و أطفأت لهيب الثورة كما يقول في ذلك الدكتور محمد الطاهر الزبيري، و ازداد الانحراف مع الانقلاب العسكري في 19 جوان 1965 و التي ما تزال آثاره باقية إلى اليوم، رغم صدور قانون إلغائه، ثم الانقلاب العسكري في 1979 و قد مهد هذا الأخير الطريق للإجهاز على الثورة و فتح ألأبواب لما يسمى بحزب فرنسا لفرنسة الجزائر بأشكال جديدة مختلفة ، يوضح الدكتور الزبيري في كتابه أن العقبات التي مرت بها جبهة التحرير الوطني يعود وجودها إلى كون الأمين العام للحزب لم يكن ينتمي إلى أي تشكيلة سياسية، أي أنه كان يفتقر إلى الخبرة الكافية بمجالات التنظيم الحزبي و التكويم الإيديولوجي ، و نتج عن هاتين العقبتين انعدام الثقة بين القيادة السياسية و القواعد النضالية و انسداد قنوات الاتصال بينهما و بين القنوات الموصلة إلى الجماهير الشعبية الواسعة، و ساد الإهمال و الفوضى و الاضطراب في جميع الميادين ، لأن القيادة السياسية لم تكن في المكان المناسب - على حد قوله هو- لأنها تركت مهمة التنمية للحكومة، و استمرت الأوضاع على هذا النوع إلى غاية انعقاد المؤتمر الخامس في 1983، خطط فيه أعداء الثورة لإبعاد الجبهة عن مصادر القرار و تجريدها من وسائل الإعلام بهدف إجهاض الثورة الجزائرية..
بدأت الحملات متتالية للانتقام من قادة الجبهة، كانت الخطوة ألأولى في تعبيد الطريق للوصول إلى ما أطلق عليه بأسبوع ألإجهاض فكانت قضية الاختلاس و رياض الفتح و الفرانكفونية الأسباب الرئيسية التي فجرت "الثورة" من جديد تمثلت في أحداث 05 أكتوبر 1988، كانت بمثابة حربا شعواء بحدوث الزلزال على جبهة التحرير الوطني، راحت بعض القيادات تعلن عداءها للجبهة، و منهم أحمد مدغري عضو مجلس الثورة ووزير الداخلية قبل ان يقدم استقالته و تعيين الإطارات ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ